العيني

116

عمدة القاري

يجمع المحاسن ، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه فيخشى من ضربه أن يبطل أو يتشوه كلها أو بعضها ، والشين فيه فاحش لبروزه وظهوره ، بل لا يسلم إذا ضرب غالباً من شين . انتهى . وهذا تعليل حسن ، ولكن روى مسلم ، وفي روايته تعليل آخر ، فإنه روى الحديث من طريق أبي أيوب المراعي عن أبي هريرة ، وزاد : فإن الله خلق آدم على صورته . واختلف في مرجع هذا الضمير ، فعند الأكثرين : يرجع إلى المضروب ، وهذا حسن ، وقال القرطبي : أعاد بعضهم الضمير على الله ، متمسكاً بما ورد من ذلك في بعض طرقه أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ، وأنكر المازري وغيره صحة هذه الزيادة ثم قال : وعلى تقدير صحتها يحمل على ما يليق بالباري سبحانه ، عز وجل . قيل : كيف ينكر هذه الزيادة وقد أخرجها ابن أبي عاصم في السنة ، والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات ، وأخرجها أيضاً ابن أبي عاصم من طريق أبي يوسف عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول ؟ قال : من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن ، فإذا كان الأمر كذلك تعين إجراؤه على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره ، كما جاء من غير اعتقاد تشبيه أو يؤول على ما يليق بالرحمن سبحانه وتعالى . فإن قلت : ما حكم هذا النهي ؟ قلت : ظاهره التحريم ، والدليل عليه ما رواه مسلم من حديث سويد بن مقرن أنه رأى رجلاً لطم غلامه ، فقال : أما علمت أن الصورة محرمة ؟ . بسمِ الله الرحْمانِ الرَّحِيم 05 ( ( كتابُ الْمُكَاتَبِ ) ) أي : هذا كتاب في بيان أحكام المكاتب ، ووقع هكذا : في المكاتب ، من غير ذكر لفظ : كتاب ، ولا لفظ : باب ، والبسملة موجودة عند الكل . والمكاتب ، بفتح التاء : هو الرقيق الذي يكاتبه مولاه على مال يؤديه إليه بحيث إنه إذا أداه عتق ، وإن عجز رد إلى الرق ، وبكسر التاء : هو مولاه الذي بينهما عقد الكتابة ، والكتابة أن يقول الرجل لمملوكه : كاتبتك على ألف درهم مثلاً ، ومعناه : كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت المال ، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك ، أو كتبت عليك وفاء المال ، وكتبت على العتق . واشتقاقها من : الكتب ، وهو الجمع ، يقال : كتبت الكتاب إذا جمعت بين الكلمات والحروف ، وسمى هذا العقد كتابة لما يكتب فيه ، وهو الذي ذكرناه . فإن قلت : سائر العقود يوجد فيها معنى الكتابة ، فَلِمَ لا تسمى بهذا الاسم ؟ قلت : لئلا تبطل التسمية كالقارورة ، سميت بهذا الاسم لقرار المائع فيها ، ولم يسم الكوز ونحوه قارورة ، وإن كان يقر المائع فيه ، لئلا تبطل الأعلام والكتابة شرعاً عقد بين المولى وعبده ، بلفظ الكتابة أو ما يؤدى معناه من كل وجه يوجب التحرير يداً في الحال ورقبة في المال ، وقال الروياني : الكتابة إسلامية ولم تكن تعرف في الجاهلية ، ورد عليه بأنها كانت متعارفة قبل الإسلام فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن خزيمة في كلامه على حديث بريرة : قيل : إن بريرة أول مكاتبة في الإسلام ، وقد كانوا يتكاتبون في الجاهلية بالمدينة . وفي ( التوضيح ) : واختلف في أول من كوتب في الإسلام فقيل : سلمان الفارسي ، رضي الله تعالى عنه ، كاتب أهله على مائة ودية نجمها لهم ، فقال ، صلى الله عليه وسلم : إذا غرستها فاذنِّي . قال : فلما غرستها آذنته فدعا فيها بالبركة ، فلم تفت منها ودية واحدة . وقيل : أول من كوتب أبو المؤمل ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أعينوه ) ، فقضى كتابته وفضلت عنده ، فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : عليه السلام : ( انفقها في سبيل الله ) . وأول من كوتب من النساء : بريرة ، وأول من كوتب بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو أمية ، مولى عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ثم سيرين مولى أنس . ( ( بابُ إثْم منْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ الْمُكَاتَبَ ) ) أي : هذا باب في بيان إثم من قذف مملوكه الذي كاتبه ، كذا وقع في هذا الباب هنا في بعض النسخ ، ولم يذكر فيه حديث أصلاً ولا له وجه في دخوله أبواب المكاتب ، وقد ترجم في كتاب الحدود : باب قذف المملوك ، وأورد فيه حديثه ، على ما يجيء بيانه ، إن شاء الله تعالى . قيل : كان البخاري ترجم بهذا الباب وأخلى بياضاً ليكتب فيه الحديث الوارد فيه ، فكأنه لما لم يظفر به تركه هكذا .